عبد الله بن أحمد النسفي
53
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 23 إلى 24 ] فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا ( 23 ) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ( 24 ) نبذته ، وقيل ستة أشهر ، وقيل سبعة ، وقيل ثمانية ولم يعش مولود وضع لثمانية إلا عيسى ، وقيل حملته في ساعة ووضعته في ساعة مَكاناً قَصِيًّا بعيدا من أهلها وراء الجبل ، وذلك لأنها لما أحست بالحمل هربت من قومها مخافة اللائمة . 23 - فَأَجاءَهَا جاء بها ، وقيل ألجأها وهو منقول من جاء إلّا أنّ استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء ، ألا تراك لا تقول جئت المكان وأجاءنيه زيد الْمَخاضُ وجع الولادة إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ أصلها ، وكانت يابسة وكان الوقت شتاء ، وتعريفها مشعر بأنها كانت نخلة معروفة ، وجاز أن يكون التعريف للجنس أي جذع هذه الشجرة كأنه تعالى أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرّطب لأنه خرسة النّفساء أي طعامها ، ثم قالَتْ جزعا مما أصابها يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا اليوم مدني وكوفي غير أبي بكر ، وغيرهم بالضم ، يقال مات يموت ومات يمات وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا شيئا متروكا لا يعرف ولا يذكر . بفتح النون حمزة وحفص ، بالكسر غيرهما ، ومعناهما واحد وهو الشيء الذي حقّه أن يطرح وينسى لحقارته . 24 - فَناداها مِنْ تَحْتِها « 1 » أي الذي تحتها فمن فاعل وهو جبريل عليه السّلام لأنه كان بمكان منخفض عنها ، أو عيسى عليه السّلام لأنه خاطبها من تحت ذيلها ، من تحتها مدني وكوفي سوى أبي بكر ، والفاعل مضمر وهو عيسى عليه السّلام أو جبريل ، والهاء في تحتها للنخلة ، ولشدة ما لقيت سلّيت بقوله أَلَّا تَحْزَنِي لا تهتمي بالوحدة وعدم الطعام والشراب وقالة « 2 » الناس ، وأن بمعنى أي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ بقربك أو تحت أمرك ، إن أمرته أن يجري جرى وإن أمرته أن يقف وقف سَرِيًّا نهرا صغيرا عند الجمهور ، وسئل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن السّريّ فقال : « هو الجدول » « 3 » وعن الحسن : سيدا كريما يعني عيسى عليه السّلام ، وروي أنّ خالد بن صفوان « 4 » قال له : إنّ العرب تسمي الجدول سريا ، فقال الحسن : صدقت ورجع إلى قوله . وقال ابن عباس رضي
--> ( 1 ) في مصحف النسفي من ، لذلك قال أي الذي . ( 2 ) في ( ز ) ومقالة . ( 3 ) الطبري عن البراء موقوفا قال : الجدول ، وعن عمرو بن ميمون : هو الجدول . ( 4 ) خالد بن صفوان بن عبد اللّه بن عمرو بن الأهتم التميمي من فصحاء العرب المشهورين ، ولد ونشأ بالبصرة توفي عام 133 ه ( الأعلام 2 / 297 ) .